الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قوله : فَجاءَها بَأْسُنا لأنّه من بقيّة المذكور ، ويصحّ أن يكون للتّرتيب المعنوي لأنّ دعواهم ترتّبت على مجيء البأس . والدعوى اسم بمعنى الدّعاء كقوله : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ [ يونس : 10 ] وهو كثير في القرآن ، والدّعاء هنا لرفع العذاب أي الاستغاثة عند حلول البأس وظهور أسباب العذاب ، وذلك أنّ شأن النّاس إذا حلّ بهم العذاب أن يجأروا إلى اللّه بالاستغاثة ، ومعنى الحصر أنّهم لم يستغيثوا اللّه ولا توجّهوا إليه بالدّعاء ولكنّهم وضعوا الاعتراف بالظّلم موضع الاستغاثة فلذلك استثناه اللّه من الدّعوى . ويجوز أن تكون الدّعوى بمعنى الادّعاء أي : انقطعت كلّ الدّعاوي التي كانوا يدعونها من تحقيق تعدّد الآلهة وأنّ دينهم حقّ ، فلم تبق لهم دعوى ، بل اعترفوا بأنّهم مبطلون ، فيكون الاستثناء منقطعا لأنّ اعترافهم ليس بدعوى . واقتصارهم على قولهم : إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ إمّا لأنّ ذلك القول مقدّمة التّوبة لأنّ التّوبة يتقدّمها الاعتراف بالذّنب ، فهم اعترفوا على نيّة أن ينتقلوا من الاعتراف إلى طلب العفو ، فعوجلوا بالعذاب ، فكان اعترافهم - آخر قولهم في الدّنيا - مقدّمة لشهادة ألسنتهم عليهم في الحشر ، وإمّا لأنّ اللّه أجرى ذلك على ألسنتهم وصرفهم عن الدّعاء إلى اللّه ليحرمهم موجبات تخفيف العذاب . وأيّا ما كان فإنّ جريان هذا القول على ألسنتهم كان نتيجة تفكّرهم في ظلمهم في مدّة سلامتهم ، ولكنّ العناد والكبرياء يصدّانهم عن الإقلاع عنه ، ومن شأن من تصيبه شدّة أن يجري على لسانه كلام ، فمن اعتاد قول الخير نطق به ، ومن اعتاد ضدّه جرى على لسانه كلام التّسخّط ومنكر القول ، فلذلك جرى على لسانهم ما كثر جولانه في أفكارهم . والمراد بقولهم : كُنَّا ظالِمِينَ أنّهم ظلموا أنفسهم بالعناد ، وتكذيب الرّسل ، والإعراض عن الآيات ، وصم الأذان عن الوعيد والوعظ ، وذلك يجمعه الإشراك باللّه ، قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ، وذلك موضع الاعتبار للمخاطبين بقوله : وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ [ الأعراف : 3 ] أي أنّ اللّه لم يظلمهم ، وهو يحتمل أنّهم علموا ذلك بمشاهدة العذاب وإلهامهم أنّ مثل ذلك العذاب لا ينزل إلّا بالظّالمين ، أو بوجدانهم إياه على الصّفة الموعود بها على ألسنة رسلهم ، فيكون الكلام إقرارا محضا أقرّوا به في أنفسهم ، فصيغة الخبر مستعملة في إنشاء الإقرار ، ويحتمل أنّهم كانوا يعلمون أنّهم ظالمون ، من قبل نزول العذاب ، وكانوا مصرين عليه ومكابرين ، فلمّا رأوا العذاب ندموا